Tuesday, April 26, 2011

عبد الله البحرى و عبد الله البرى

22\5\2009
-1-
قرية خضراء منسية على بحر اليوسفية. منازلها من طين أزلي ، جلبه النهر من أقصى الأرض وحمله الماء وديعة إلى دلتا وسيعة . نحت النهر في اليوسفية خليجاً صغيراً ماؤه بارد وصفاؤه لا يعلم له أحد سبباً. حول هذا الخليج حطت البشر والطيور وفي مائه تكاثرت الأسماك.

-2-
"تشكر يا خال."
قالتها وداد لجودة البقال في خجل و انصرفت تحمل ثمن كيلو حلاوة سائبة ملفوف في ورقة مجلة قاهرية فاقعة الألوان.
كانت وداد و أخوها راضي منذ الصغر محبوبين في القرية. كانا اذا مرا في حواري القرية لم يسمعا الا مصمصة الإعجاب و همس المديح : " ونعم" و "يازين ما خلفت سعدية"
كانت وداد شديدة الفخر بأخيها "العاقل الكامل" كما تسمع عنه دائما اذا ما جاءت سيرته أو لفظ أحد اسم أبيها فواز أبو راضي..
كان راضي البالغ الخامسة عشرة من عمره لا يُرى الا على رأس الخليج و قد ألقى شبكته و جلس و قد غمر الماء فخذيه و يكون دائما منشغلا بغابة يهذبها و يشذبها و يثقبها ناياً. كان له كل يوم نايٌ جديدٌ. يصنعه و يعزف عليه ألحاناً تسمعها القرية كلها ..كان راضي ينبه شيخ الجامع الى حلول الزوال حين يعزف تكبيرة الأذان على الناي. يكون الشيخ غافيا على دكة خشبية تحت الكافورة بجوار الجامع،يتغافل بالنوم عن الحر و طنين الذباب. و عندما تتسلل الى أذنيه تكبيرة الناي يفتح عينا محمرة من النعاس والرمد . يشب واقفا ًعلى قدمين مخلوفتين تبحثان عن البلغة و هو يكبس عمامته فوق رأسه. يصعد على سلم خشبي إلى سطح الجامع شامراً جلبابه و يؤذن للصلاة بصوت أجش عميق يصاحبه و يرد عليه ناي الصياد الجالس في الماء.
يكون راضي مشغولا بشبكته و أسماكه و ألحانه ويمضي نهاره في الصيد يلقي الشبكة ويجمعها عدة مرات و يسعده ضي السمكات الفضيات العالقات في شبكة الهلاك كما لا يسعده شئ في الدنيا.
يؤذن لصلاة العصر بنايه ثم يغرسه في الطين أو يرميه بأقصى ما يستطيع من قوة في ماء الخليج.
"غدا أرميه إلى الأبعد".. هكذا كان يعاهد نفسه كلما رمى الى البحر ناياً.

يعود راضي قبيل المغرب يحمل سمكاته في قفة و يتلفح بشبكته و قد تجرجر طرفها يلملم تراب الدروب. كان أهل القرية ينتظرون سمكات راضي و يلبون طلباته التي أملتها عليه أمه في الصباح. يقايض السمكات على لوازم البيت أو قطعة قماش أو مكعبات السكر الأبيض.
كانت هناك أيام تعود إليه الشبكة خاوية مرات ومرات و في السدة الشتوية
كان يخوِض في الخليج حتى يغمر الماء رقبته.
"يا واد اطلع م الميه شفايفك بقوا زي النيلة"...كانت النسوة يصحن به و هن رائحات غاديات
"يا واد النداهة تشدك!"
" يا وله حصل أبوك في الغيط بلا سمك !"
-3-
كان عوض يجوب القرية طول النهار وقد وضع الحصوات المسنونة في جيب جلبابه و نبلته في يده شاخصاً ببصره إلى السماء مراقباً أسراب السمان و الحمام و كل ما يحلق في الهواء. كان نحيلاً أسمراً فارع الطول يقارب راضي في العمر. يجمع الحصوات الطويلة من على أطراف القرية حيث يشقون الطريق السريع، و يقضى ليله ساهرا مع العمال يعد لهم الشاي ويستمع الى حكاياتهم التي لا تنتهي عن الأماكن التي عملوا فيها وعن عليوة الذي فقأ عينه مسمار طائر من وابور الحفر و طايع الذي أكل ماء النار أصابعه وعوض يرص الأكواب في الصينية و هو يكلم نفسه مذهولاً، " الميه ..تاكل اللحم؟ ميه من جهنم دي ولاد ولا آه ؟ "

بعد عدة أدوار من الشاي و بعد أن يغسل الأكواب في الدلو، كان عوض يأخذ مبرد حدادي من صندوق الحدايد و يقرفص بجانب الكلوب و ينهمك في سن الحصوات حتى تغدو كالسهام الصغيرة يثقل بها جيب جلبابه و ويقفل راجعا الى داره تشكه أطراف الحصوات في فخذه . كانت أمه تترك له باب الدار موارباً، ليس في دارهم ما يغري بالسرقة على أية حال. يدفس نفسه تحت اللحاف الكبير حيث ينام كومة من الإخوة الصغار صبياناً و بناتٍ على حصيرة الجامع القديمة.

-4-
مع آذان الفجر تتثاءب القرية ،يخرج المصلون نصف النائمين الى الجامع وتنهض النسوة الى شئون دورهن، و يسرع راضي الى شبكته المنشورة على الليمونة خارج الدار يتفقدها بعينين كما لوزتين في الشكل و اللون، في يده الخيط "النايلو" يرتق و يوصل ما انقطع ..لمَ يضع يسوع له الأخشاب أحيانا فتتقطع الشبكة ويهرب السمك؟ كان يعتقد أن يسوع أمير من أمراء البحر، شعره يمتد من البر الى البر له تاج من أصداف و لؤلؤ، عليه أحمال من ذهب الغارقين في البحور تجلبه إليه أسماك الثعابين، يجلس على عرش من فضة في أعماق الخليج ، وهوالذي يمسك بالأسماك و يضعها للصيادين في شباكهم. كان يوم الأحد يومٌ لا يذهب فيه راضي الى الصيد ولا يؤذن بالناي..كان أبونا يزور القرية ، قريتهم أبعد قري الإبرشية. و هم لا يذهبون إلى الكنيسة إلا مرتين في السنة ، مرة في عيد الميلاد ومرة في ليلة شم النسيم.
كان يحتفظ بيسوعه لنفسه ..ملكه ..كان يخشى إن صارح أبونا أن يسوعاً يضع له السمك في الشبكة أن يتكالب أهل القرية على الصيد و ينفد السمك. كانت تخيفه حكايات الكبار عن الآلام والدماء والصلب ، لكن يوم السبت كان يجتهد في اصطياد سمكة تليق بـ"أبونا."

"الله يلعن اليوم اللي لقيت فيه المحروقة دي" . كان أبوه مزارعا أجيراً و كان يأمل أن يذهب ابنه البكر معه الى الأرض ليعينه على الكد و الشقاء . لم يكن راضي يحب الأرض ولا الزراعة ولا صورة رأس المسيح النازفة المعلقة في الدار.
يذكر في يوم بعيد أنه تعثر في طرف شبكة الصيد و هو يلعب على شاطئ الخليج. كانت مدفونة في الطين.أخرجها و نشرها في ماء الخليج و فوجئ بالسمك وقد بدأ يسكنها، يدخلها و لا يعرف كيف يخرج. منذ ذلك اليوم هجر العمل في الأرض مع أبيه. و لم يزد اعتراض الأب و الأم إلا على لعنات طيبة يصبانها على تلك الخيوط التي انشبك فيها قلب الفتى .و كانا يعزيان نفسيهما بأن الولد كسيب ويدخل على أمه في المساء و "عبه مليان خير".

ينطلق راضي الى الماء ..يغتسل في الماء المثلج، يجفف جسده بجلبابه و ينشره على الصفصافة أم الشعور. يلقى الشبكة في الماء هو يختار الماء العميق . الضحل لا يفيد إلا في الملء و الغسل وشرب البهايم. تصل اليه من بعيد قعقعة الأواني المعدنية و ضحكات البنات المكتومة يغسلن و يملأن عقولهن بحكايات الأمس زاداً يثرثرن به طوال اليوم.

لمح الظل الفارع و قد زادته أشعة أول النهار طولاً مبالغ فيه. عوض و قد أطبق أصابعه الطويلة على النبلة متربصا بالطيور التى حطت على شاطئ الخليج. أصاب أول صيد له.
هرع اليه، ذبحه، ووضعه في جرابه. كان راضي يبحث عن غابة تصلح ناياً. لا يحب عوضا ولا يحب الدم. القرية لا تحب عوضا .هو يصيب ما يريد ينبلته، يتربص و لا يحيد عن هدفه.
يحدث أن يخطئ هدفه و يصيب لوح زجاج أو تطيش رميته فتصيب ساقاً أو رأساً تندفع منه الشتائم.
كان نصيب عوض من معظم أهل القرية التخوف و التطير. كانت شهرته "عوض أبو طيرة"
و كان تلاحقه الدعوات و الزفرات " ربنا يهدي.. "بريه من شقاوة الواد أبو طيرة". ورغم ذلك كان أهل القرية يتهافتون على ما يصيده عوض من سمان أو عصافير أو طيور مهاجرة يمتلئ بها جرابه. كان يصر على ألا يقايض رغم عشق القرية للمقايضة . كان يحب رنين القروش في كيسه الدمور المربوط بدوبارة حول عنقه. و كان هذا مما يزيد من غيظ الكل منه..إنه يعرف كيف يحلب قروشهم القليلة.
كان إذا فرغ من الصيد عصرا، جلس في مكان معلوم بحري الجامع ليراه الجميع و حيث تهب نسمات دخول المساء. كان يوقد ناراً في حطب الكافور و يشوي عليها عصافيره وسمانه و كل طيوره. رائحة الشواء تذهب العقل. يزكي عوض النار بمروحة صنعها بنفسه من ريش و سعف وليف ويغني ويقول
عجبي على صياد رمى شبكة في بطن الغيب
ومستنظر
و التاني رمى صبره على سهمه صاب في
قلب المقدر
واللي على البر أنا نصيده والبر يا عبد البر أنا سيدُه
و يا ابن آدم قول لي صياد انت ولا انت صيدُه

معاك يا شبك لم يكون لي خيرة
والبر ليش يا صيده شينة وعيرة
تطَلع الشلباية ولا تنزِل الجميرة
ونا صيد البراري على كيفي و يحلا لي
ومّا صيد البحوري عليه مجبوري و أنا مالي

شلباية: سمك نيلي
الجميرة : طائر القمري

إهداء : إلى من يهمه أمري

No comments: